U3F1ZWV6ZTI0NTkwMjgwNjYyX0FjdGl2YXRpb24yNzg1NzM5NTM5NzE=
recent

الجامعة المغربية بين الماضي و الحاضر

باحث وأستاذ بكلية علوم التربية بجامعة مونتريال بكندا.

سجلنا بكل أسف وصدمة مقتل الطالب المغربي في حادث شنيع يندى له الجبين، يدفع كل إنسان حقيقي إلى المسارعة إلى إدانته والتنديد به، ذلك أن إزهاق نفْس إنسانية لا يكون له من مبرر في الغالب، وخصوصا في الحرم الجامعي، بوجه خاص.

الجامعة المغربية بين الماضي و الحاضرفالجامعة كما يتغنى السياسيون والمثقفون والفاعلون هي حرم آمن لا يجوز انتهاكه تحت أي سبب من المسببات، فتسميته بالحرم كانت دونه تضحيات جِسام، وكان لكل المكونات الجامعية ٱلطلابية عبر ٱلتاريخ الحديث للمغرب فضل في الحفاظ عليه حرما آمنا يتداول في ساحته المتحدثون من كل المشارب الفكرية وٱلسياسية، وٱلثقافية. لكننا إذ نشيد بهذا الصرح الذي تم بناؤه في التدريب على ٱلديمقراطية والحوار، لا نغفل عن البنية العنيفة التي يرافقها الطالب ويصاحبها معه في الجامعة مما رضعه من عنف في المجتمع عبر ٱلسياسات ٱلتربوية وٱلثقافية وتدبير ٱلشأن العام.

ومن ثَم، نقول إن العنف الجامعي ليس وليدَ اليوْم، ولن يقف عند مقتل طالب أو عشرة، وٱلسبب بكل بساطة كامن خلف البنية العنيفة المعششة في المجتمع وبنياته العتيقة، وٱلتي تتغذى كل يوم من العنف الأسري، والبلطجة ٱلسياسية والأحقاد ٱلثقافية والعنف ٱلديني، على مستوى الخطاب، ويتنامى بسبب غياب ٱلثقافة والفنون الجميلة، مما يسبب تصحرا فكريا وانحطاطا سلوكيا وانتحارا جماعيا.

وسيؤدي في ٱلنهاية إلى تفكك ٱلنسيج ٱلاِجتماعي، وإلى ترهُّــل قِيمي، وإلى تدمير ذاتي، لينتهي في ٱلنهاية بٱانهيارٱلدولة وٱاندثارها. والحق أنه إذا انهار الفرد أمام هذه القواصم، فما فائدة وجود ٱلدولة أصلا؟ فلا قيمة للدولة بدون أفراد مُكرَّمين، هُـمْ سيحرصون على ٱلدولة وسيدافعون عنها، بدلا من وجود إطار مترهِّـــل يتسم بالقوة الحديدية من الخارج، لكنه "نَخْـب هواء" من الداخل، على حد تعبير حسّان بن ثابت ٱلشاعر، حين هجا أبا سُفيان زعيمَ قُريش.

وقد يقول قائل إن هذا المشهد سوداوي وسيناريو فوق حقيقي. لكننا لا نشك في أن مجتمعنا المغربي سائر إليه بخطى الواثق، والمقبل على الهاوية بسبب غياب نية الإصلاح الحقيقي، فالإصلاح لا يمر دون ضريبة، ولا يمر العلاج دون شرب دواء مُرّ جدا، ولا يكتمل دون دفع فواتير مكلفة، يمتنع السياسي والاقتصادي والمثقف والأسرة والفرْد عن أدائها، بل، ويُحَمِّـل كلُّ طرف الأطرافَ الأخرى ٱلنصيبَ الأكبر والمسؤوليةَ فيما آلَتْ إليه الأوضاعُ، وما توارثته الأجيال وتعاقبت عليه: ومنها العنف في الجامعة. وٱلذي توج مسارَه بمقتل ٱلطالب، الذي لا نعرف مُلابساتِها بحكم ٱلتَّسْييس، الذي سيرافقها من القتلة من جهة، ومن أولياء الدم السياسيين من جهة ثانية. وهؤلاء يتبنون قضيتَه لانتمائه إلى الطائفة الموجودة في الحكومة اليوم.

ونُذَكٍّر أن طلبة آخرين قُتِلـوا في ظُروف مشابهة، أو مغايرة، حسب ٱلسياقات والظروف التي شابت هذا القتل أو ذاك. لكن، في كل الأحوال فإن الإدانة تشمل الجميع لكون إزهاق الأنفس مُحـرَّم بكافة الشرائع، وأن العدالة ستتمكن من القتلة أيا كانوا. ولئِن كفَلَ القانونُ البراءةَ بالتقادم، فإن العدالة العليا لا تعرِف هذا النوع من المحاباة، ولن تقبل شفاعةً فيها.
الاسمبريد إلكترونيرسالة